شوقي ضيف
234
المدارس النحوية
ونراه يقف في صف الكسائي ضد الفراء في جواز حذف الفعل مع الوقت حين يكون قريبا ، يقول : « وحكى الكسائي ؛ نزلنا المنزل الذي البارحة والمنزل الذي اليوم والمنزل الذي أمس ، فيقولون في كل وقت شاهدوه من قرب ويحذفون الفعل معه ، كأنهم يقولون نزلنا المنزل الذي نزلنا أمس ، والذي نزلناه اليوم ، اكتفوا بالوقت من الفعل إذ كان الوقت يدل على الفعل ، وهو قريب ، ولا يقولون الذي يوم الخميس ولا الذي يوم الجمعة ، وكذا يقولون لا كاليوم رجلا ( بتقدير لقينا رجلا ) ولا كالعشية رجلا ولا كالساعة رجلا ، فيحذفون مع الأوقات التي هم فيها ، وأباه الفراء مع العلم وهو جائز . . وكل ما كان فيه الوقت فجائز أن يحذف الفعل معه ، لأن الوقت القريب يدل على فعل لقربه » ومثل ثعلب لذلك من الشعر بقول جرير : يا صاحبىّ دنا الصباح فسيرا * لا كالعشيّة زائرا ومزورا أي لا أرى كالعشية زائرا ومزورا « 1 » . على أن وقوف ثعلب مع الكسائي في هذه المسألة لا يعنى أنه لم يكن يعتمد على الفراء كل الاعتماد ، فقد رأيناه يستظهر جملة المصطلحات النحوية التي وضعها لنحاة الكوفة . ولا أبالغ إذا قلت إن ثعلبا لم يترك بيتا شاذّا في معاني القرآن للفراء إلا أنشده في كتبه ، ونفس مجالسه تغص بالأبيات التي اقتبسها من هذا الكتاب . وهو يبدو في كثير من كتاباته كأنه شارح لما أجمله الفراء من آراء نحوية ، ونضرب لذلك مثلا : أننا نجد الفراء في الآية الكريمة : ( يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) يدلى برأيين : أن تكون « ماذا » كلمة واحدة بمعنى أي شئ وهي لذلك تكون مفعولا به لينفقون لأن اسم الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إذ له الصدارة وإنما يعمل فيه ما بعده ، أو تكون ذا بمعنى الذي أي ما الذي ينفقون ، وإذن تكون خبرا لما وينفقون صلتها ، ويسند هذا الرأي بأن العرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذي ، فيقولون : « ومن ذا يقول ذاك » في معنى « من الذي يقول ذاك » . ثم يقف عند ( قُلِ الْعَفْوَ ) فيقول : « وجه الكلام فيه النصب ،
--> ( 1 ) المجالس ص 321 وما بعدها .